محمد متولي الشعراوي
4139
تفسير الشعراوى
لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ( 41 ) [ سورة الأعراف ] في الأولى قال : - سبحانه - ( وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ) . وفي الثانية قال : ( وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ) . فكأن الإجرام كان سببا في ألا يدخلوا الجنة ، والظلم كان سببا في أن يكون من فوقهم غواش ، لهم من جهنم مهاد ، وهم في النار يحيطهم سرادقها . ومن المناسب بعد تلك الشحنة التي تكرهنا في أصحاب النار وفي سوء تصرفهم فيما كلفوا به أولا ، وسبب بشاعة جزائهم ثانيا ؛ أن نتلهف على المقابل . فقال سبحانه : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 42 ) [ سورة الأعراف ] وقول الحق سبحانه وتعالى : « لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها » جء بين المبتدأ والخبر ، ككلام اعتراضى ؛ لأن أسلوب يقتضى إبلاغنا أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم الخلود في الجنة ، وجاءت « لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها » بين العمدتين وهما المبتدأ والخبر ؛ لأننا حينما نسمع « وَالَّذِينَ آمَنُوا » فهذا عمل قلبي ، ونسمع بعده « وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ » وهذا عمل الجوارح ، وبذلك أي بعمل القلب مععمل الجوارح يتحقق من السلوك ما يتفق مع العقيدة . والاعتقاد هو يسهل دائما السلوك الإيمانى ويجعل مشاق التكاليف في الأعمال الصالحة مقبولة وهينة ، ولذلك أوضح سبحانه : إياكم أن تظنوا أنى قد كلفتكم فوق طاقتكم ، لا ؛ فأنا لا أكلف إلا ما في الوسع ، وإياكم أن تفهموا قولي : « وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ » هو رغبة في إرهاق نفوسكم ، ولكن ذلك في قدرتكم لأننى المشرع ، والمشرع إنما يضع التكليف في وسع المكلّف . ونحن في حياتنا العملية نصنع ذلك ؛ فنجد المهندس الذي يصمم آلة يخبرنا عن مدى قدراتها ، فلا يحملها فوق طاقتها وإلا تفسد . وإذا كان الصانع من البشر لا يكلف الآلة الصماء فوق ما تطيق ، أيكلف الذي خلق البشر فوق ما يطيقون ؟ محال أن يكون ذلك .